الخميس، 4 مارس 2010

هل بإمكاننا تربية أبنائنا على الحداثة؟

هذا السؤال بقي يلحّ عليّ لمدة ليست بالبسيطة وذلك لسببين أحدهما ذاتي والثاني موضوعي.
أما السبب الذاتي فهو غاية في البساطة فبحكم أنّني أمّ من جهة وبحكم أنني اليوم أرى أن بإمكاني نقد الطرق التربوية التي نشأت عليها فإنني أحاول الإجابة على هذا السؤال وإنشاء معايير جديدة للتعامل مع الأطفال. وأما السبب الموضوعي فيتمثل في أن هؤلاء الأطفال هم المطالبون بإنشاء مفهوم الحداثة وتكريسها في بلداننا حيث فشلنا نحن.


عندما أقول الحداثة هنا فإنني أعني تربية الطفل على مفهوم حقوق الإنسان وعلى الحرية والمسؤولية وعلى حق هذا الإنسان في الحياة وفي الاحترام لذاته الإنسانية وليس لكونه ذكرا أو أنثى أو لكونه عربيا أو غربيا أو لكونه متدينا أم لا.


سأحاول هنا أن أنقد بعضا من التعاليم التي تشأنا عليها والتي لا يمكنها أن تؤسس للحداثة أو أن تبني مجتمعا متوازنا يقوم على احترام الآخر المختلف.
أولا: ينشأ الطفل في هذه الدول على أن والديه أو على الأقل والده معصوم من الخطأ. ما يقوله الأب صحيح ولا يمكن مناقشته أو نقده
ثانيا: الكذب في المصالح جائز.
ثالثا: نحن أفضل من غيرنا.
رابعا: عصفور في اليد أفضل من عشرة على الشجرة.
خامسا: أعمل كيف جارك وإلا حوّل باب دارك.
سادسا: انصر أخاك ظالما أو مظلوما.
سابعا: تنشئة الأطفال على التمييز بين معيارين فقط للحكم على الأشياء وهما معياري الحلال والحرام.


كل هذه الأفكار وغيرها هي أفكار متوارثة ولا يقع نقدها لا لصحتها بل لترابطها بعضا ببعض بشكل يصعب معه التنازل عن واحدة والإبقاء على أخرى. وهي أفكار مسمومة تؤدّي بمن ينشأ عليها على عدم إعمال الفكر في تبين الصحيح من الخاطئ.


ما الذي يعيق الطفل المتربي على هذه "القيم" أو هذه المبادئ؟


إن هذه المفاهيم التي نشأنا عليها والتي بدورنا نصدّرها لأطفالنا تساهم في بناء إنسان وهو الإنسان المثال حسب هذه التنشئة وهذا الإنسان هو الذي يحترم في كل الحالات الأشخاص الأكبر منه سنا حتى وإن أخطؤوا و"هم لا يخطئون" وهذا ما يجعل أولي الأمر منّا غير قابلين للنقد. هذا الإنسان سيكون مناصرا لجواز الكذب والنفاق في بعض المواقف. كما أنه سيعتقد جازما أن عائلته هي أفضل العائلات نسبا وتاريخه تاريخ أمجاد وأبناء وطنه أذكى وأكثر علما وثقافة من أبتاء الأوطان الأخرى. كما أن هذا الإنسان لن يطمح دوما إلى الأفضل لأن القناعة كنز لا يفنى وهي قناعة العاجز الذي لا يجد سبيلا إلى الحلم والطموح. سيكون ملمح هذا الإنسان متسما كذلك بالمطابقة الاجتماعية للآخر الذي يتعايش معه في نفس البيئة الاجتماعية. كم بيننا من إنسان لا يتجرّأ على ممارسة أبسط حقوقه حينما لا تتفق مع المما رسات اليومية العادية للمجموعة. وبطبيعة الحال فهذا الكائن الاجتماعي سيخضع كل ممارساته إلى مقياسي الحلال والحرام عوضا عن مقياسي ما هو معقول فكريا وما هو غير معقول، ما هو مقبول إنسانيا وما هو مرفوض، ما هو صحيح وما هو غير صحيح، ما هو واجب وما هو حق ما هو قانوني وما هو غير قانوني ، ما فيه احترام للآخر وما فيه ظلم للذات البشرية.


في ظل هذا الإرث الثقيل يجد الآباء أنفسهم عاجزين على التغيير الفعلي في ممارساتهم لأنهم لم يناقشوا القيم التي تربوا هم أنفسهم عليها. وهنا لا أقصد الآباء التقليديين الذين يحنّون إلى الماضي بكل ما فيه من شوائب بل حتى أولئك الذين يتعاملون مع الموروث بفكر نقدي. وهنا سأدرج مثالين بسيطين ولكن بإمكانهما توضيح ما أرمي إليه. كم من أب يفطر في رمضان في السر ولا يتجرأ على إعلان ذلك أمام أبنائه وكم من أب يشرب الخمر خارج البيت فقط وهو يرى أن ذلك من حقه؟ ولكل من بنفوسهم مرض أقول إن مفهوم الحداثة لا يقتضي أن تصبح سكيرا أو أن تجبر أبناءك على الإفطار في شهر الصيام.


ما أريد أن أقوله هو أن بإمكان الوالدين أن ينشؤوا الأبناء على مفهوم الاختلاف. الآخر المختلف ليس بالضرورة مخطئا ولا مخيفا والإنسان سواء كان أبا أو معلما بإمكانه أن يخطئ والاعتراف بالخطأ هو الذي يساعد على التقدم وليس العكس وقيمة الصدق هي قيمة إنسانية تساعد الإنسان على البناء وعلى نقد ذاته، هذا النقد الذي بدونه لا يمكنه إلا التقهقر إلى الوراء. لا بأس كذلك من أن نعلّم أبناءنا أن تاريخنا حافل بالأمجاد وبالهزائم، بالإيجابيات وبالسلبيات. كما أن التطابق في الممارسات يقضي على الاختلاف الذي بدونه لا يمكن لمجتمع أن يتقدم والتاريخ خير دليل على ذلك.

الجمعة، 19 فبراير 2010

كيف ضاعت طفولة ناريمان؟

كلما رأيتها بعينيها الجميلتين المائلتين إلى الزرقة السماوية وبشعرها الناعم وطفولتها البريئة كلما استشعرت غصة ومرارة، مرارة العاجز الذي يرى الظلم فلا يستطيع لدرئه سبيلا.

عندما تراها تشعر أنها تحمل أحزان العالم داخل قلبها الصغير.

ناريمان ابنة العشرة سنين تتمتّع بصحة جيدة وترتدي أفخر الملابس وتمتلك من الألعاب ما يكفيها هي وجميع أصدقائها. إلا أن هذا لا يغنيها عن ابتسامة حنونة يتمتع بها الأطفال الذين يعيشون في رعاية أبويهم.

لا يتبادر إلى أذهانكم أنها يتيمة الأب أو الأم، لو كان ذلك صحيحا ربما كان أفضل لها. المأساة أن ناريمان تعيش في تونس مع جدتها لأبيها بينما يعيش أبوها مع زوجته، أمها السويدية الأصل، في السويد.

في لحظة صفاء مع نفسه قرر هذا الأب العطوف أنه من الظلم لابنته أن تعيش في عالم كله مفاسد وكفر وألا تتمتع بالقيم العربية الإسلامية التي نشأ هو نفسه عليها. فكر مليا فرأى أن ابنته لا بد أن تنشأ مشبعة بهويتها الوطنية والعربية بعيدا عن كل ما يمكن أن يشوبها من انحلال وفساد أخلاقي.


الخميس، 18 فبراير 2010

يوم عادي في حياة مواطن عادي

انطلقت الحافلة كعادتها من محطة قفصة إلى توزر على تمام الساعة الثامنة صباحا. كان على متنها مختلف الشرائح العمرية والاجتماعية والثقافية. من بين الركاب كان هناك عدنان الذي يعرفه السائق منذ مدة بحكم أنه يستقل نفس الحافلة كل يوم اثنين صباحا متوجها إلى مقر عمله بالمتلوي. وكان السائق يتوجس خيفة من هذا الراكب الذي اعتاد على المشاكسة كلما سنحت له الفرصة وحتى إن لم تسنح. فهو خبير بافتعال المشاكل بسبب وبدون سبب.

تجاوزت الحافلة مدينة قفصة بحوالي عشر كيلومترات عندما صاح شيخ تجاوز الثمانين من عمره يرغب في النزول "خلّيني هنا يا ولدي". توقّفت الحافلة بعد لحظات متجاوزة المكان الذي يقصده الشّيخ فعبّر عن استيائه ونزل. فأخذ عدنان يصيح: "آش بيه؟ آش نو اللي موش عاجبه؟ شبيه ما يهزّش كرهبتو يمشي بيها إذا موش عاجبتو الكار؟ شوفوه كيفاش يجري والله كان ما يشدّش فران مان اللي ما يجي في هاكي النخلة".

ابتسم بعض الركاب وتغاضى البعض الآخر وبسمل السائق وحوقل واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم.

بعد ذلك ابتدأ عدنان يحاور الركاب والسائق معا بصوت يسمعه الجميع عن كل ما يخطر بباله: حالة الطقس وانحباس المطر لأن الله ساخط علينا، أزمة البطالة وعملية التشغيل الذي أصبح يباع ويشترى في السوق السوداء وحتى عن سجائر المارس ليجار التي أصبحت مضروبة. وفجأة أخذ يصيح: "شوفو هذا حال اللي ما يردّش بالو. شوفوها الكرهبة كيفاش مفشخة". واستطاع الركاب الأماميون أن يميّزوا سيارة صغيرة قد تهشّم جزءها الأمامي بشكل لم يعد معه ممكنا تمييز ماركتها ولا حتى لونها، ووراءها سيارة الحرس الوطني وبعد بضعة أمتار تبين الجميع سبب وقوع الحادث إذ كان هناك جمل ملقى على جانب الطريق دون حراك.

كان الراديو بجانب السائق يذيع أخبار كرة القدم منذ خروج الحافلة من محطة قفصة إلا أنه لم يكن بمقدور أحد الاستماع إليه فصوت عدنان كان يغطّي على جميع "التغطيات الإعلامية". فجأة رأى السائق أن يحوّل الموجة إلى محطّة أخرى، و إذا بعدنان ينتفض كمن لسعته عقرب ويقول: "خلّينا نسمعو أخبار الكورة، رجّعلنا الكورة. حتّى حد ما يحب يسمع الغناية هاذي." لم يعره السائق اهتماما ولم ينزل عند رغبته. كلّ ما فعله أنّه خفّض قليلا من صوت الراديو الذي لم يكن بحال من الأحوال مرتفعا أكثر من صوت عدنان. كانت من الأغاني التي يحبّها كثيرون وكان المغني يقول:
"غمرتيني بحبك ممنون
انشا الله تسلم دياتك
من إيدك خبزة وزيتون
بتكفيني وحياتك"
ولكن عدنان ما كان يسمح لأحد بأن يستمع إلى الأغنية بل كثر هديره وأصرّ على الاستماع إلى الأخبار الكروية. بادر السائق إلى الراديو ليعيده إلى المحطة الأولى فإذا بعدنان يضيف: "اسمع راهو موش ملك السيد الوالد، أنا مواطن وعندي حقوق". وإذا بالسائق يكظم غيظه ويعيد المحطة التي تبث الأغنية التي كانت تقول
"يبعث الله كبير
بيبعث للفقير
بيبعث مرات شوي
بيبعث مرات كتير
بيبعث شمس وفي
بيبعث نار ومي..."
وإذا بعدنان يرعد ويزمجر: "إنت موش وطني، مكا تحبش تسمع أخبار الكورة" وفي كل تلك الأثناء لم يكن السائق نطق ببنت شفة. إلا أن عدنان أراد استفزازه فقال: "ما لا إنت موش تجمّعي؟" وهنا رد عليه السائق بكل هدوء: "لا". وكأنما كان هذا الهدوء حافزا لعدنان الذي أردف: "ما لا إنت معارضة؟" وبنفس الطريقة أجابه السائق: "إيه".

كان أحد الركاب جالسا في المقعد الأمامي وقد رأى أن يتدخل لتلطيف الجو فقال: "يزّي يا عدنان ما تمسّطهاش عاد. نقّص شويّة"
فردّ عليه: "آش كون كلمك إنت هاك تقرا في الجريدة متاعك. شدّ الجريدة وسيّبني".
وعندها وقف من كرسيّه وتوجّه نحو السائق يريد أن يلقّنه درسا وهو لا يكفّ عن الهذيان. وإذا به يشاهد امرأة تضع يدها على صدغها معبرة عن انزعاجها فصاح بالسائق: "شفت حتى المرا قلّقها صوت الراديون، هيا سكّرو." نظرت إليه المرأة وقالت بهدوء وبصوت واضح: "سامحني صوتك إنت قلقني. وما ذا بيّ نسمع الغناية". "اسمع اسمع، صوتي آنا قلقها. معلمة وفي قفصة وتسمع الغنا. والله هاذي من علامات الساعة."
واصل عدنان ضجيجه وواصل الراديو:

"قلتلك هايدا الموجود
واللي في قلبي على لساني
أنا قلبي بحبك موعود
ما عندو غيرك ثاني..."

الخميس، 17 سبتمبر 2009

Une rencontre

Je l'ai connu il y a presque 25 ans, et je ne l'ai jamais revu depuis. Durant cet été lointain, il lui est arrivé à maintes reprises d'habiter mes rêves et de hanter mes cauchemars. Quand je l'ai vu pour la première fois, il avait une peau couleur de miel, et je le trouvais beau malgré tous ses défauts dont me parlaient parents et amis. Il m'arrivait de rester figée à le contempler sans rien dire et sans agir. J'étais fascinée par son calme et par la symétrie de ses traits. Mais jamais je n'ai tenté de le retenir dans mes bras ou de dormir dans la même pièce que lui.

Hier, nous sommes allés chez des amis pour dîner et passer a nuit. Quand tout le monde a gagné son lit un peu après minuit, je suis allée dans la cuisine prendre un verre d'eau, et je l'ai revu après un quart de siècle. Il était là, il n'a pas changé, toujours jeune et fascinant. Il n'a pas bougé. Mais cette fois j'ai réagi: j'ai pris ma chaussure et je l'ai écrasé. Je ne voulais pas partager la même maison avec un scorpion.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

ماذا يعني مسلم حقيقي؟

عنوان هذا النص جزء من تعليق تركته مشكورة المدونة أمال على التدوينة السابقة. تتساءل أمال عما إذا كنت قد بحثت عن معنى الإسلام الحقيقي وهل لعبارة الإسلام الحقيقي معنى كما تتساءل عما إذا كنت أعلم عدد المذاهب المختلفة في الإسلام.

عبارة المسلم الحقيقي لم آت بها من عندي، هذه عبارة يستعملها البعض كلما ذكرت أمامهم سلوكا مشينا يتوخاه بعض المسلمين، فيردون عليك بأن هذا السلوك ليس من شيم الإسلام الحقيقي. كم مرة سمعنا هذا التعبير: "هؤلاء يضرّون بسمعة الإسلام". يقولون هذا ثم لا تجد منهم رغبة حقيقية في تخليص الإسلام من الشوائب. لماذا؟ ببساطة لآن المسلم سيجد نفسه متورطا أمام بعض التناقضات التي لا قبل له بالدفاع عنها إنسانيا.

أنا أحترم كل مسلم يقول "هذا ما يمليه علي ديني" دون مغالطة ودون أن يسعى مثلا إلى وضع تقاطعات بين ما أتى به الإسلام وما تنصص عليه حقوق الإنسان لآن التناقضات بين النص الديني والنص الوضعي لم تعد موضعا للنقاش.

أما عن عدد المذاهب المختلفة في الإسلام فذلك حسب اعتقادي أساس المشكلة وليس حلها. فكيف يكون الإسلام نفسه مصدرا للتسامح ثم يكون المحرّض الأساسي على العمليات الانتحارية التي تفشت في العقد الأخير؟ وكيف يكون نفس الدين مصدرا لفتاوى متناقضة؟ وكيف تجد نفس الشخص المسلم يؤمن ببعض الأحاديث الصحيحة في كتاب البخاري ثم يرفض أحاديث أخرى لآتها تتناقض مع إنسانيته؟

يقول "غول" معلق آخر: "اللي حكيت عليهم ينجموا زاده يكونوا الكلهم مسلمين حقيقين يمثلوا فعلا دينهم ولا يوجد إسلام آخر". وهم فعلا مسلمون حقيقيون يحملون إرثا ثقافيا ودينيا معينا وثقافتهم هي التي تملي عليهم ممارساتهم. عندما تقرر امرأة أن تلبس الحجاب مثلا فهي لا تتخلى عن سلوكها السابق وتتبنى سلوكا آخر. لماذا؟ لأنها لم تتغير من الداخل. هي تحافظ على إنسانيتها ولكنها تعلن انتماءها الديني فقط.

"ولد بلاد" يقول إن علينا أن نتعرف على تعاليم ديننا الحقيقية. إلا أن الإشكال يتمثل في أن جميع الذين يحاولون تقديم قراءة للنص الديني مختلفة عن قراءة الغزالي وابن تيمية يلاقون صدا وهجوما عنيفين من رجال الدين الذين يصادرون العقل. وهذا مثلا ما حصل مع ابن رشد. ألم يكن ابن رشد مسلما؟ ألم يكن قاضيا وعالما بالقرآن والسنة؟ فلماذا إذن أحرقت كتبه؟ لأنه لا يُسمح لأحد بالخروج عن القطيع. المنطق السائد هو الذي يحكم حتى إن بدا به اختلال.

وبتعليق الزميل Téméraire V5.0 : "إذا بدلنا كلمة "مسلم" بـ "ديمقراطي أو مسيحي أو ملحد" ومع بعض التغييرات في الجمل يمكننا الحصول على نفس النتيجة"، نصل إلى هذه الخلاصة: ما يحدّد قيم ومبادئ وأخلاق البشر ليس انتماءهم الفكري أو الديني، ليس إيمانهم أو إلحادهم أو تشككهم في وجود الذات الإلهية. ما يحدد كل ذلك هو إنسانية الإنسان. بإمكان الإنسان أن يؤمن بالإسلام ويكون متخلقا متوازنا لا يبغض ولا يكذب ولا ينافق، كما بإمكان آخر أن يكون مسلما مرائيا سارقا مخادعا ونفس الشخص سيحافظ على نفس المبادئ التي يؤمن بها لو قرّر يوما التخلي عن دينه.



السبت، 5 سبتمبر 2009

من هو المسلم الحقيقي؟

منذ مدة وأنا أراقب وأفتش وأطالع وأبحث عته، في الممارسات اليومية وفي الشارع وفي كتب التاريخ. من هو المسلم الحقيقي؟ كيف هو؟ أين يمكن أن نجده؟

هل المسلم الحقيقي هو خضار الحي الذي لا يبيعك كيلو البطاطا إلا إذا اشتريت منه باقي الخضر. لا ليس هذا المسلم الحقيقي.

هل المسلم الحقيقي هو ذلك الموظف الذي يذهب إلى عمله متأخرا ولا يقدّم مردودا يذكر ويبجّل زيدا على عمر لأن زيدا قريبه؟ حتما ليس هذا المسلم الحقيقي.

هل هو مربّي الأطفال الذي يعدّ أجيال المستقبل، يجيب على أسئلة الامتحان لبعض التلاميذ على حساب الآخرين، وينجز مذكراته وواجباته أثناء حصص التدريس؟ بالطبع لا، هذا ليس المسلم الحقيقي.

هل هو الممرّض أو السكرتيرة في الصحة العمومية الذي يتغاضى عن آلام المرضى ويواصل الثرثرة التي بدأها في هاتفه الجوال دون أدنى التفاتة أو إحساس بالذنب؟ أبدا لا يمكن أن يكون هذا هو المسلم الحقيقي.

هل هي تلك المرأة التي تقوم بأداء الواجبات الدينية وطفلها الرضيع يصيح من شدّة الجوع في انتظار أن تعيره التفاتة؟ لنفكر معا، يمكن؟ لا يمكن؟

هل جد صديقتي -الذي كان إماما في المسجد والذي نسي أم أولاده وهجرها إثر زواجه بمن هي أصغر وأجمل- مسلم؟

آه وجدتها، المسلم الحقيقي هو الذي في دفاعه عن الإسلام ينخرط في سب وشتم وثلب غير المسلمين ونعتهم بالكفر والعربدة والتحرش الجنسي والعمالة ويرهبهم بعذاب القبر وبالجحيم. هذا أقرب إلى المسلم الحقيقي.

بقي أنه قد لا يكون الإسلام الحقيقي موجودا في بلدنا العزيز.

قد يكون مثلا موجودا في المملكة السعودية حيث تم منع الطالبات من الخروج من المؤسسة الدراسية عندما اندلع حريق بالمدرسة كما تم رفض تقديم أعوان الحماية المدنية يد العون لهنّ. هكذا ضمنت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخولهنّ الجنّة ضحيات للجهل والتخلف.

قد يكون الإسلام الحقيقي هو إسلام طالبان.

أو قد يكون إسلام أولئك المتطرفين باسم الإسلام والذين يتمتعون باللجوء السياسي في بعض البلدان الديمقراطية فيستغلون مؤسسات المجتمع المدني لضرب مبادئ المجتمع المدني. هؤلاء مسلمون بحق.

المسلم الحق هو الذي يُـلـبس حفاظة للنعاج حتى لا تبدو عوراتها مستفزة للعيان وهو الذي يمنع المسافرين من الاحتياط للطوارئ بأخذ عجلة النجدة في السيارة لأن ذلك ينم عن عدم ثقة في القدر الإلهي. هذا فعلا مسلم ولن يجود الزمان بأفضل منه في المحافظة على نقاء دينه.

ما زال البحث جاريا، هل رأيتموه؟

الأربعاء، 19 أغسطس 2009

أحلام مستغانمي: الثلاثية ونسيان.com

"نسيان. com "هو آخر عمل أدبي أصدرته أحلام مستغانمي، وبالنسبة لمن يهمّهم الأمر بعض النقرات على محرك البحث ستمكّنكم من الاطلاع على الكتاب. انتهيت منذ قليل من قراءة هذا الكتاب وسأحدثكم عن انطباعاتي من خلال هذه القراءة الأولى. لكن قبل ذلك أرغب في الحديث عن الثلاثية التي اشتهرت بها الكاتبة.

أتيحت لي الفرصة لقراءة "ذاكرة الجسد" إبان صدوره وقد لقي هذا الكتاب وقتها قبولا غير مسبوق، وقد عبر عنه نزار قباني بما يلي: "روايتها دوختني وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق ....فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني ...... وخارج على القانون مثلي..... ولو أن أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر لما ترددت لحظة واحدة..... هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها " تكتبني " دون أن تدري ...لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء بجمالية لا حد لها .... وشراسة لا حد لها.....وجنون لا حد له......"

وإحقاقا للحق فإن رواية ذاكرة الجسد فعلا عمل أدبي رائع ومتميز. أقول ذلك رغم احترازي على بعض الأفكار التي تسوقها الكاتبة والتي تعبر عن تيار فكري أختلف معه موضوعيا.

هكذا تبتدئ رواية ذاكرة الجسد:

"ما زلت أذكر قولك ذات يوم :
الحب هو ما حدث بيننا. والأدب هو كل ما لم يحدث.
يمكنني اليوم، بعد ما انتهى كل شيء أن أقول :
هنيئا للأدب على فجيعتنا إذن فما اكبر مساحة ما لم يحدث. إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب.

وهنيئا للحب أيضا ...
فما أجمل الذي حدث بيننا ... ما أجمل الذي لم يحدث... ما أجمل الذي لن يحدث .
قبل اليوم، كنت اعتقد أننا لا يمكن أن نكتب عن حياتنا إلا عندما نشفى منها.
عندما يمكن أن نلمس جراحنا القديمة بقلم، دون أن نتألم مرة أخرى.
عندما نقدر على النظر خلفنا دون حنين، دون جنون، ودون حقد أيضا.
أيمكن هذا حقاً ؟
نحن لا نشفى من ذاكرتنا ."


وهي ليست ممتعة كقصّة عاطفية فحسب، فالكاتبة تقذف في وجهنا كذلك بكل تلك الآلام التي عاشتها الجزائر أثناء الاستعمار وبعده وفي بداية التسعينات من القرن الماضي.

ابتدأت الثلاثية بـ"ذاكرة الجسد" وتواصلت مع "فوضى الحواس" ثم مع "عابر سرير". إلا أني في قراءتي للكتابين الأخيرين لم أجد نفس المتعة التي حظيت بها مع العمل الأول.


وهذا قد يكون في حد ذاته مفهوما لأني أحببت "بين القصرين" أكثر من "قصر الشوق" و"السكرية" وهي الثلاثية الرائعة التي اشتهر بها نجيب محفوظ كما أذكر أن نفس الشيء حدث لي مع مسرحيات سوفوكل فالقارئ لا يستمتع بقراءة "أنتيقون" بقدر استمتاعه بـ"الملك أوديب". وأعتقد أن نفس الشيء يحدث لنا عندما نشاهد الأجزاء المتتالية من أفلام "أكاديمية الشرطة" أو "جيراسيك بارك" ذلك أنّ عمل المبدع يكون قد حظي بإقبال جماهيري يجعله يتوق للمواصلة في نفس النسق ويجعل المتقبّل (القارئ أو المتفرج) ينتظر منه المزيد من الإبداع.


أما عن تواصلهما مع نسق "ذاكرة الجسد" فإن "فوضى الحواس" و"عابر سرير" يمثّلان امتدادا لنفس الهواجس ونفس الأفكار ونفس نمط الكتابة.


أمّا بالنسبة للكتاب الأخير الذي وصفه البعض بأنه الكتاب الحدث فهو لا يفي بانتظارات قراء كاتبة أثبتت جدارتها في عالم الأدب. فـ"نسيان com." لا يمكن اعتباره عملا روائيا بمفهوم الرواية المتداول. وحين أقول هذا فأنا لست ضد التجديد في الأسلوب ولا في الأفكار.


العمل الروائي في "نسيانcom." يقتصر على بعض الصفحات التي لا تتجاوز ربع الكتاب وهي رواية تتضمّن ثلاث شخوص وتعتمد على حدث يومي متكرّ في نفس الوقت هو عبارة عن مكالمة تلفونية. أمّا باقي الكتاب فهو يحتوي على الكثير الكثير من الحكم والمواعظ والنصائح التي تدلي بها الكاتبة لمساعدة المرأة على النسيان. كما يحتوي على غير القليل من أقوال الشعراء ومن الأمثال والقصص الشعبية.


كنت أنتظر من هذا العمل أن يكون عملا راقيا بإحساس مرهف وهو ما تعوّدت عليه من كتابات أحلام مستغانمي السابقة إلا أني أحسست أن الكتاب يستخف بعقل المرأة ويستهين بها من حيث أرادت أحلام مستغانمي أن يمثل وصفة سحرية لدواء يشفي القلوب.